محمد طاهر الكردي

216

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

عدة غرف أمامها حوش فسيح ، ليس فيه فرش ولا رياش لأنه منزل مؤقت لليلة واحدة فقط . المسحراتية بمكة المكرمة ولقد كان إيقاظ الناس ، في وقت السحور ، في شهر رمضان ، أمر معروف من العصور الأولى في الإسلام ، وذلك بواسطة بعض الرجال المختصين في هذه الصنعة ، الذين نسميهم « المسحراتية » أو « المسحرين » وهؤلاء الطائفة كانوا يوظفون في هذه الصنعة بأوامر الخلفاء ويفرضون لهم أجرا على ذلك . والسبب أن الناس ، في صدر الإسلام ، إلى أوائل القرن الرابع عشر للهجرة ، لم يكونوا يسهرون إلى نصف الليل أو أكثر ، كما في زماننا هذا ، بل كانوا ينامون بعد صلاة العشاء بنحو ساعة أو ساعتين على أكثر تقدير ، لأن السهر في اللهو والمجون مكروه ، فقد ورد في الحديث « إيّاك والسمر بعد هدأة الرّجل فإنكم لا تدرون ما يأتي من اللّه تعالى في خلقه » رواه الحاكم في المستدرك ، والسمر ، بفتح السين والميم ، هو التحدث بعد هدأة الرجل ، وفي رواية بعد هدأة الليل . وورد « لا سمر إلّا لمصل أو مسافر » رواه الإمام أحمد . وورد أيضا « نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم عن النوم قبل العشاء وعن الحديث بعدها » رواه الطبراني . قال العزيزي في الجامع الصغير ، قال العلقمي : النهي عن الحديث بعد صلاة العشاء ، فيما لا مصلحة فيه في الدين ، خوف السهر وغلبة النوم بعده ، فيفوت قيام الليل أو الذكر فيه أو الصبح أو الكسل عن العمل بالنهار في مصالح الدنيا وحقوق الدين ، أما ما فيه مصلحة في الدين كعلم وحكايات الصالحين ومؤانسة الضيف والعروس والأمر بالمعروف فلا كراهية فيه . انتهى كلامه . انظر : صورة رقم 219 ، فانوس يضاء بشمعتين نقول : إن أهل القرون السابقة كانوا أهل خير وصلاح وقناعة ، لم ينتشر الفساد فيهم ، كما انتشر في زماننا هذا ، ولم تكن لديهم دواعي اللهو والمجون ، ولم تتوفر عندهم أسباب الفسق والترف والانغماس في الشهوات . وكان لديهم من الدين والحياء ما يمنعهم من التظاهر بكل ذلك . وكان لأرباب الدين والعلماء السيطرة التامة عليهم ، فكانوا يراعون حرمتهم ، ويسمعون كلامهم ، ويتبعون آداب الإسلام ، فإن وجد فيهم من شذّ عن عاداتهم ومألوفهم ، فيكون ذلك نادرا